ابن الجوزي

248

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فدفعه إلى يوسف فعذبه مرارا ، ثم أتى بعود فوضعه على قدميه ، وقامت عليه الرجال حتى كسرت قدماه ، فوالله ، ما تكلم ولا عبس ، ثم على ساقيه حتى كسرتا ، ثم على فخذيه ، ثم على حقويه ، ثم على صدره حتى مات . ودفن بناحية الحيرة ، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة . وفيها : قتل الوليد بن يزيد [ 1 ] ، قد ذكرنا أن الوليد كان مشتغلا باللعب واللهو ، معرضا عن الدين قبل الخلافة ، فلما وليها زاد ذلك فثقل أمره على رعيته وكرهوه ، ثم ضم إلى ذلك أنه فسد أمره مع بني عمه ومع اليمانية وهي أعظم جند الشام ، فضرب سليمان بن هشام مائة سوط ، وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمان فحبسه بها ، فلم يزل بها حتى قتل الوليد ، وغضب الوليد على خالد بن عبد الله ، وكان يسميه يوسف الفاسق ، ورماه بنو هاشم بالكفر والزندقة وغشيان أمهات [ أولاد ] [ 2 ] أبيه . وقالوا إنه اتخذ مائة جامعة ، وكتب على كل جامعة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها ، وكان أشدهم فيه قولا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وكان الناس إلى قوله أميل ، لأنه كان يظهر النسك ويقول : ما يسعنا الرضى بالوليد ، حتى حمل الناس على الفتك به ، وأجمع على قتله قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة ، فأتى قوم منهم خالد بن عبد الله ، فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم ، قالوا : فأكتم علينا ، قال : لا أسمي أحدا منكم . ثم إن الوليد أراد الحج ، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق ، فقال : يا أمير المؤمنين أخر الحج العام . قال : ولم ؟ فلم يخبره ، فأمر بحبسه وأن يستأدي ما عليه من أموال العراق ، وبايع الناس يزيد بن الوليد سرا ، واجتمع عليه أكثر أهل دمشق ، وأجمع يزيد على الظهور ، فقيل للعامل : إن يزيد خارج ، فلم يصدق ، فأرسل يزيد أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومائة ، فمكثوا عند باب الفراديس حتى أذنوا العتمة ، فدخلوا فصلوا وللمسجد حرس ، وقد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل ، فلما صلى الناس صاح بهم الحرس ، وتبطأ أصحاب يزيد ، فجعلوا يخرجون من باب ويدخلون من آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد ، فقبض أصحاب يزيد على الحرس جميعهم ، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده وقال : قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه ، فقام وقال :

--> [ 1 ] تاريخ الطبري 7 / 231 . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت .